أمريكا وتجريف المنطقة العربية 2-2
2019-07-28 | منذ 4 أسبوع
محمد ناجي أحمد
محمد ناجي أحمد

 

لقد سقطت الولايات المتحدة في زمن بوش الابن وترامب في ما حذر منه ايزنهاور في خطابه الوداعي، فـ"واقع الحال أن الديمقراطية الأمريكية وقعت فريسة للمجمع الصناعي العسكري السياسي الفكري، وهو مجمع ذو جذور صهيونية تحركه الأوهام والهرطقات القديمة" (أقواس الهيمنة، ص277). هذه الهرطقات نجد دلالتها في بعض عبارات بوش الابن وترامب.

يروج الاستعمار دوماً لبناء مجتمعات ومدن "كوسموبوليتية". على هذا النهج كانت المجتمعات الفاصلة بين أوروبا والامبراطورية العثمانية حين أنشأت في الجغرافيات الفاصلة مجتمعات تم تلفيقها عرقيا ودينيا وجغرافيا كي تشكل حائط صد متقدم لحماية الإمبراطورية. وبناء على ذلك تفجرت الصراعات في البوسنة والهرسك وكرواتيا والصرب واليونان وقبرص... إلخ.

وفي عدن والهند أراد الاستعمار البريطاني أن ينشئ مدنا "كوسموبوليتية" كي يحافظ على مكتسباته الاستعمارية، فـ"الكوسموبوليتية هي جوهر عدم الانتماء، لأنها ليست مرتبطة بالأرض"، بل بمصالح المستعمر.

تتمثل فرضية ماكيندر، بحسب كتاب "انتقام الجغرافيا" (روبرت د. كابلاند، ترجمة: د. إيهاب عبد الرحيم علي، عالم المعرفة، يناير 2015) والذي نشره في المجلة الجغرافية في لندن عام 1904، في أن "آسيا الوسطى، من حيث مساعدتها على تشكيل المنطقة المركزية لأوراسيا، هي المحور الذي يعتمد عليه مصير الامبراطوريات العالمية الكبرى، "لأن تصميما للأرض من حيث الشرايين الطبيعية الواقعة بين سلاسل الجبال وبطول وديان الأنهار يشجع صعود الامبراطوريات، سواء كانت معلنة أو غير معلنة، وليس الدول" (انتقام الجغرافيا، ص85).

وفقا لمنظور ماكيندر المعتمد كليا على الجغرافيا فإن "الشرق الأوسط الكبير منطقة انتقالية غير مستقرة، ومحطة على الطريق الممتد بين عالم البحر المتوسط والحضارتين الهندية والصينية، ويُظهر جميع التحولات الكبرى في سياسة القوة، ويمثل هذا نذيرا متسقا تماما مع تصوير هود حسون للشرق الأوسط الكبير باعتباره ويكومين عالم العصور القديمة، والذي أنجب ثلاثة من الأديان الرئيسية (اليهودية، والمسيحية، والإسلام)، واستمر دوره المحوري في الجغرافيا السياسية حتى العصر الحديث" ( المرجع نفسه، ص89).

من هنا نفهم قيام الولايات المتحدة الأمريكية بـ"تنظيف" المنطقة، أي جعلها تسقط في الفوضى، حتى تأمن على مصالحها وهي تتوجه نحو أطماعها نحو آسيا الوسطى وشرق آسيا، أي أن توسيع دوائر الهيمنة الأمريكية يقتضي خلق الفوضى في منطقة التي سمتها "الشرق الأوسط الكبير" بغرض ترتيب دوائر هيمنتها في آسيا الوسطى وشرق آسيا. وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها محاولة استبعاد الشرق الأوسط من أهميته الاستراتيجية بالبحث عن بدائل تعمل على تهميشه، وجعله يضمر، بحصره داخل مجاله الجغرافي، بعد استنزاف ثرواته، أو لتهميش ثقله. فلقد كان اكتشاف رأس الرجاء الصالح واحدة من الأفكار التي تفتق عنها العقل الاستعماري الأوروبي.

 

المنطقة العربية والانسحاب الأمريكي الموهوم

لا تُبنى اهتمامات الولايات المتحدة الأمريكية على أساس المعادلات الصفرية، بحيث أن توسيع الهيمنة الأمريكية في آسيا الوسطى وشرق آسيا يصبح معناه انسحابا أمريكيا من المنطقة العربية، فهناك من يرى أن تفاعلات النظام العالمي تتجه إلى تهميش الوطن العربي كجزء من تهميش منطقة البحر الأبيض المتوسط. فالميزان الاستراتيجي يتجه تدريجيا منذ منتصف السبعينيات إلى المحيط الهندي. ومنطقة المواجهة الخطرة في العالم هي تلك النقطة التي تلتقي فيها اليابان والولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين. وفي هذا السياق فإن السؤال هو: هل يؤدي هذا التطور إلى تقلص اهتمام الدول الكبرى بالوطن العربي، باعتبار انتقال موقع المواجهة الاستراتيجية إلى منطقة أخرى، أم تبقى أهمية المنطقة باعتبارها الحزام الجنوبي للاتحاد السوفييتي السابق؟! فبحسب كتاب "العرب والعالم" للدكتور علي الدين هلال وآخرين، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت، ط1، 1988) فإن هذه الأطروحة الصفرية، التي ترى أن زيادة الاهتمام بمنطقة ما لا بد أن تقود إلى نقصان الاهتمام بمنطقة أخرى بالحجم نفسه وبالدرجة نفسها، هي أطروحة خاطئة (العرب والعالم، ص22).

وأيا تكن النظرية بخصوص الاهتمام بالمنطقة العربية أو الانسحاب منها فإن الاهتمام باليمن يظل مشتركا في كلتا النظريتين، أي ضمن الاهتمام والسيطرة الأمريكية، وضمن اهتماماتها ومشاريعها التوسعية في آسيا الوسطى وشرق آسيا، نظرا لأن اليمن بوابة المحيط الهندي، وهو المحيط الذي يلتقي عنده صراع المصالح ودوائر الهيمنة، ومنه يتحدد مستقبل القوة العظمى، كقوة أحادية في النظام العالمي، أو تُكْسَر الأحادية نحو تعددية منطلقها توازن الرعب والردع والسيادات، كأساس لصياغة دولية مبنية على المصالح المشتركة المحمية بقوة وتعدد الإرادات.

الولايات المتحدة الأمريكية لا تؤمن بالمعادلة الصفرية بخصوص صراع المصالح، أي انتقال ثقلها من منطقة لأخرى، وترك المنطقة العربية في حالة فراغ، لكنها توسع أطماعها نحو آسيا الوسطى وشرق آسيا، وتُؤَمِّن سيطرة "إسرائيلية" على المنطقة العربية، من خلال ضرب الدولة القُطرية من ثغرة استبداديتها، ونقلها نحو "البلقنة" لا نحو الدولة الديمقراطية المستقرة، والمحمية بالمواطنة ووحدة الأوطان وسيادتها. فهناك علاقة طردية بين "بلقنة" المنطقة العربية من جهة والسيطرة "الإسرائيلية" على مقدرات وجغرافية المنطقة من جهة موازية. فكلما تهشمت الدولة العربية من قطريتها نحو تفككها العرقي والطائفي والمذهبي والمناطقي زاد التمكين الصهيوني على المنطقة.

كانت بريطانيا متنبهة لمنع أي تقارب وحدوي بين الأقطار العربية، لهذا نكثت بوعودها التي عقدتها مع الشريف حسين بن علي، شريف مكة، مقابل اشتراكه معها ضد الامبراطورية العثمانية. وكان لدوره الأثر الرئيسي في تشتيت الجيوش التركية، والفصل بينها في سوريا وبين مصر والعقبة، وهو ما أكده الجنرال اللينبي في تصريحاته.

حين تحركت مصر مصطفى النحاس وسوريا من أجل تأسيس الجامعة العربية عملت بريطانيا، من خلال الملك عبد العزيز بن سعود، على رفض بنود بروتوكولات الاسكندرية، التي تنص على أنه لا يجوز لأي دولة عربية أن تنتهج سياسة تضر بسياسة الجامعة العربية أو سيادة دولة عربية أخرى. وقد كان هناك رأي طرح في المباحثات التي سبقت بروتكولات الإسكندرية (تشرين/ أكتوبر 1944) يدعو إلى إقامة سلطة عليا يكون لها إرادة تعلو على الأعضاء في بعض المجالات والأمور، وهو الرأي الذي تبنته سوريا، لكن السعودية والعراق حينها، بتوجيه بريطاني، أسقطتا هذا المقترح، فكان الاتجاه بعد ذلك إلى إقامة جامعة لتنظيم وتنسيق التعاون بين البلاد العربية في إطار المحافظة على سيادتها واستقلالها (العرب والعالم، ص115).

ما تبنته سوريا ومصر في بروتكولات الاسكندرية وتم رفضه، بخصوص عدم انتهاج أي دولة عربية سياسات تضر بسياسة دولة أخرى أو بسياسة الجامعة العربية، تأخر قرابة أربعة عقود، ليتم إقراره في تعديلات ميثاق جامعة الدول العربية، الذي أصدرته الأمانة العامة للجامعة العربية عام 1981: "تلتزم الدول الأعضاء بعدم انتهاج أية سياسة تتعارض مع أهداف الجامعة ومبادئها أو تضر بالمصلحة العربية المشتركة".

من هنا نفهم أن البناء الهش للجامعة العربية كان منذ البداية مطلبا وهدفا استعماريا، من أجل تأمين التمكين التدريجي للكيان الصهيوني في المنطقة، كذراع إمبريالية تحرس المصالح الغربية في هذه المنطقة. وفي حالة انتقل الاهتمام الأمريكي إلى آسيا الوسطى وشرق آسيا فإن ذراعه الصهيونية الإمبريالية المسماة "إسرائيل" ستقوم بتأمين مصالح وهيمنة الغرب في المنطقة العربية، وتحمي مصادر الإمداد لأي توسع استعماري لدوائر الهيمنة الأمريكية.

 



مقالات أخرى للكاتب

  • من سمات القيادة الحركية
  • أمريكا وتجريف المنطقة العربية 1-2
  • الكتابة كإرجاء وممحاة لقسوة الذاكرة في “أطياف عدن – هذيان الحطب – شهادات سياسية”

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    32,148,669