ثورة 23 يوليو 1952 فى ميزان العلم !!
2019-07-23 | منذ 4 أسبوع
د. محمد سيد احمد
د. محمد سيد احمد

 

لم تهاجم ثورة فى التاريخ مثلما هوجمت ثورة 23 يوليو 1952 فعلى الرغم من مرور ما يزيد عن ستة عقود ونيف من الزمان على قيامها إلا أنها محل جدل كبير مازال يتكرر وتتصاعد وتيرته مع كل ذكرى سنوية لها, فهناك ألاف من الكتب, وأطنان من الأوراق والأحبار التى استهلكت فى مقالات صحفية, وساعات بث واسعة عبر الإذاعات والشاشات, ثم أخيرا مساحات غير محدودة عبر الشبكة العنكبوتية – الانترنت -  سواء على المواقع أو صفحات التواصل الاجتماعى تحاول أن تنال منها.

 وحتى اللحظة الراهنة مازال بعض الكارهين لها ولقائدها يصفونها بالانقلاب العسكرى فى محاولة لتشويهها, لكن هذه المحاولات الفاشلة لا يمكن أن تصمد أمام العلم كثيرا, فمن المعروف والثابت والمستقر والمتفق عليه فى أدبيات العلوم الاجتماعية والسياسية أن الثورة " هى إحداث تغيير جذرى فى بنية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية " هذا هو جوهر مفهوم الثورة.

لذلك يمكننا التأكيد بما لا يدع مجال للشك أن الثورات لا يحكم عليها إلا بنتائجها, فإذا أحدثت تغييرا جذريا فى بنية المجتمع وأحدثت تغييرا حقيقيا فى خريطته الطبقية المختلة وأعادتها الى توازنها بحيث تبرز الطبقة الوسطى على حساب الطبقات الدنيا الفقيرة والكادحة والمهمشة نكون هنا أمام ثورة حقيقية, وإذا لم يحدث التغيير الجذرى فى بنية المجتمع وظلت الخريطة الطبقية المعتلة كما هى فأننا أمام أى شيئ آخر غير الثورة.

لذلك نستطيع أن نقول وبقلب وضمير مستريح وبعيدا عن أى مواقف غير موضوعية أن ثورة 23 يوليو 1952 هى الثورة الحقيقية الوحيدة حتى اللحظة الراهنة فى تاريخ الشعب المصرى, لأنها الثورة الوحيدة التى أحدثت تغييرا جذريا إيجابيا فى بنية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية, وهى الثورة الوحيدة فى تاريخنا التى انتصرت للفقراء والكادحين والمهمشين ومكنتهم من حقوق المواطنة, وهو ما أدى الى حدوث حراك اجتماعى صاعد لقطاعات واسعة من أبناء الشرائح الطبقية الدنيا تمكنوا من العبور والصعود والاستقرار بكرامة فى فناء الطبقة الوسطى.

 ويلخص قائد الثورة جمال عبد الناصر أحوال المجتمع المصرى عشية قيام الثورة فى إحدى خطبه حيث يقول: " 500 مليون جنيه من 700 واحد .. طب وال 27 مليون عندهم أيه .. ده الوضع اللى ورثناه .. ده الاشتراكية لما يبقى فيه عدالة اجتماعية .. ولكن مش العدالة الاجتماعية ولا المجتمع اللى نعيش فيه واحد بيكسب نصف مليون جنيه فى السنة .. وبعدين كاتب لأولاده أسهم كل واحد نصف مليون جنيه .. طب والباقين الناس اللى ليهم حق فى هذه البلد .. أيه نصيبهم فى هذه البلد .. يورثوا أيه فى هذه البلد .. لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يكون الغنى أرثا والفقر أرثا والنفوذ أرثا والذل أرث .. ولكن نريد العدالة الاجتماعية .. نريد الكفاية والعدل .. ولا سبيل لنا بهذا إلا بإذابة الفوارق بين الطبقات .. ولكل فرد حسب عمله .. لكل واحد يعمل .. لكل واحد الفرصة .. لكل واحد العمل .. ثم لكل واحد ناتج عمله " .

وبتأمل كلمات قائد ثورة يوليو تكتشف كيف كانت أحوال المصريين ؟ وكيف كانت الخريطة الطبقية ؟ وتكتشف أيضا رؤيته الثاقبة وقراءته النافذة التى مكنته من وضع يده على الجرح العميق فى جسد المجتمع المصري, وقدرته الفائقة على التشخيص السليم وكتابة العلاج, والذى تمثل فى تحديد الأولويات التى جعلت من العدالة الاجتماعية الحل الأمثل التى لا يمكن أن تتحقق إلا بتذويب الفوارق بين الطبقات, لذلك جاء مشروعه المنحاز للفقراء والكادحين والمهمشين منذ اللحظة الأولى ليوجه ضربات قاسمة الى الاقطاعيين والرأسماليين الأجانب الذين لم يتجاوز عددهم 700 شخص كانوا يحوزون الثروة والسلطة والنفوذ.

فخلال الأيام الأولى لثورة يوليو كانت المواجهة مع القوى الاقتصادية المسيطرة المتمثلة فى رموز الاقطاع, فكان صدور قانون الاصلاح الزراعى ضربة قاضية أحدثت تغييرا جذريا فى البنية الاقتصادية والاجتماعية انعكست على شكل الخريطة الطبقية للمجتمع المصرى, تبعتها ضربات سياسية لتغيير جذرى فى البنية السياسية التى كانت حكرا على مجموعة من الأحزاب التى يتربع عليها مجموعة من البشوات والبهوات والأفندية بعيدا عن الجماهير الشعبية, فجاءت هيئة التحرير ثم الاتحاد القومى ثم الاتحاد الاشتراكى تنظيما سياسيا جامعا لقوى الشعب العامل, ولأول مرة يتم تمكين جموع المصريين من المشاركة السياسية وإمكانية الصعود للسلطة, فكانت نسبة 50 % للعمال والفلاحين فى المجالس المنتخبة تمييزا ايجابيا لظلم تاريخى, ثم نص دستور 1956 على حق المرأة فى الترشح للبرلمان خطوة سبقت فيها مصر بريطانيا العظمى التى لم يمكن دستورها المرأة من الترشح إلا فى عام 1958,  وهنا تغييرا جذريا فى البنية السياسية, ثم كان التعليم المجانى ودعم الدولة للعلوم والفنون والثقافة الجماهيرية تغييرا جذريا فى البنية الثقافية للمجتمع المصرى.

هذا التغيير الجذرى فى بنية المجتمع المصرى الذى انعكس على الخريطة الطبقية المختلة قبل ثورة 23 يوليو 1952 والتى كان يتم فيها الفرز الاجتماعى على قدم وساق حيث الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا, فجاءت ثورة يوليو لتنحاز للغالبية العظمى من شعب مصر من الفقراء والكادحين والمهمشين, فكانت مجمل سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية تصب فى صالح هؤلاء لذلك يمكننا القول أن هذه الثورة هى الثورة الحقيقية وفقاً للتقييم العلمى لها, اللهم بلغت اللهم فاشهد.

 



مقالات أخرى للكاتب

  • حرب إعلامية جديدة نخوضها دفاعا عن سورية !!
  • معركة واحدة على المسارين الميدانى والسياسي !!
  • تحية واجبة لجيش العروبة !!

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    32,147,813