الكتابة كإرجاء وممحاة لقسوة الذاكرة في “أطياف عدن – هذيان الحطب – شهادات سياسية”
2019-07-21 | منذ 3 شهر
محمد ناجي أحمد
محمد ناجي أحمد

كارثة 13يناير 1986م كانت درساً تاريخياً دموياً لمن يقفز على حقائق وممكنات المجتمع

الذين يتجاهلون الماضي هم معرضون لأن يخرج عليهم الماضي من مكمنه، مطلقاً عليهم الرصاص دون رحمة -الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف. في كتابه (أطياف عدن –هذيان الحطب –شهادات سياسية ) الصادر عن دار ميّأرة –تونس 2019م- يلج (منصور هايل )بعتبتين نحو محاولة النسيان ،والتطهر من الذاكرة ،مفتتحا سرديته بعبارة للدكتور أبو بكر السقاف عن عدن التي لا تمنح حبها للغريبين عنها بالروح ،وفي ذلك يتساوى موقفها الرافض للبدوي الجهول والقبيلي الغازي والقرصان الامبراطوري .فهي تهب حبها لمن يتماهى مع روحها، من خلال مهنة يحترفها ويذوب في تنوعها المفتوح على الريف والبحر والبادية ،شرط الانصهار في حافاتها وحواريها كأفراد لا قطعان بدوية أو قروية أو تجريف امبراطوري ليمنيتها .

والعتبة الثانية يقتبسها الكاتب من (مقدمة ابن خلدون ) تلخيص لدلالة الدولة التي تتحكم بها أهواء وعصبيات القبائل ، فوراء كل رأي عصبية وهوى ، وانتفاضات تستحكم بالدولة وتخرج عليها .

بمقدمة عنونها بـ “أمَّا قبل ” يهييء الكاتب قارئه للولوج إلى ذاكرة نشطة ومخاتلة” باتجاه الاعتبار بما صار وإسعاف ما تبقى من خريف”.

هي ذاكرة “تجاوزت سن النبوة والزعامة “وإن كانت تبحث لنفسها عن جمهور يغفر لها ما سكتت عنه، لكنه كالوشم في القلب، عبر عنه بكتابة رملية تخاصمها الريح.

هي على حد تعبيره” ليست بحاجة إلى تدليك أو نفاق وتملق ذوي الشأن والبأس والسلطان، فقد بلغت سن الشتات” مما يحيل القارئ إلى مرحلة ما قبل الشتات ومتلازماتها التي تغور إيحاء لا تصريحا !

توطئة مكثفة الدلالة، موقفا ورؤية ومسارا.ولأن السياسة في اليمن “فتوحاتية وانتحارية شخصية وجماعية “ولأن الساسة في “جلهم ” “استثمروا كثيرا في الرياح إلى الدرجة التي أودت بنا إلى هباء “العاصفة ” –فإن ذلك أودى بنا إلى “فشل في بناء المجتمع متآصر ومتضامن لا يُقصى فيه أحد، ويكون الأمل متاحا للجميع “فـ” زعماء النكد والغصة وشيوخ السياسة وديناصوراتها…عاشوا زمنهم نكدا ومحنا وجشعا واستكلابا واستذءابا، وأجبروا الناس على طهي الحصى والإقامة في عراء التصحر الإنساني، وتحت خط الفقر السياسي والثقافي والمعرفي، وعلى خط الإرهاب والرهاب والذهان والهذيان، وفي خارطة ملتهبة بجغرافيا الأحقاد والضغائن والثأر”.

في “توثب” ما بعد العشرين كان الكاتب مع قدر “الوقوف على الأطلال والجماجم والخرائب”، وحكم عليه “بالهرم المبكر والشيخوخة المستعجلة” من هول ما عاشه، ومن فداحة خسرانه لأصدقائه، وخسارته في “اختراع وطن” فكارثة 13يناير 1986م لم تكن حدثا عابرا وإنما “كانت أكبر عملية انتحار جماعية، وعلامة فارقة وصارخة على الإخفاق في إدارة الخلاف والاختلاف، وعلى الخفة والانزلاق إلى تصفية الخصوم والقتل، وبالأحرى تصفية شرط الحياة والوجود الإنساني القائم على الاختلاف أصلا”.

13يناير “كانت وليمة القتلة قد استحضرت المحاربين من قبائل طوق عدن، وكافة أصحاب السوابق من المشاركين في جرائم واغتيالات سالفة، وتصفيات و”لحس” والزعران وفتوات الحواري بقصد تأهيلنا لمستقبل أكثر ميليشاوية وفوضوية ودموية، وبالكثير من جرعات التوحش” وكان “المثقف” هو المتهم رقم “1”…”طغمة” رممت عرش سلطتها بأكداس من جثث الرفاق في “الزمرة” الذين اندحروا وهربوا وتشردوا، واعتقلوا وقتلوا، كما كانوا قد فعلوا تماما برفاقهم في “الطغمة”.

يتساءل الكاتب بلغة تحفر في مفارقات التسميات والآمال، بما يعري حالة التوحش “بانشطار دلالات الأسماء :”ترى كيف كنا نقيم جنة اشتراكيتنا فوق ذلك الجحيم الذميم ؟وأي عقلية زقاقية نفاقية كانت وراء ذلك الاختراع القطيع ؟”(سجن الفتح)تكثيف لهذه المفارقة السوداء، وما يحمله من دلالات “الفتح المبين” و “في صيرورته إلى سجن للفاتحين !”تتجلى في التسمية القصدية في استلهام “نرجسية الفتوحات الأولى، وترتد بالذاكرة الغريقة إلى سماع رنين أجراس أمجاد الأسلاف وتناهيها ثم تلاشيها وانحباسها في كاتم صوت هذه المغارة :سجن الفتح “.

يصر الرفاق من مصر وعلى الخصوص حسين عبدالرازق رئيس تحرير صحيفة الأهالي آنذاك، وزوجته فريدة النقاش –على زيارة المعتقلين، ومعرفة حال الرفيق “فاروق علي أحمد “والتقوا بالأمين العام علي سالم البيض “الذي كان ظريفا بتجديفاته وتهريفاته عن “الشفافية الطبقية “وتقبلوا كلامه بوقار رفاقي وصبر أيوبي…”

يرى الكاتب أن “حجم استبطان الريبة و”المؤامرة” لدى رفاقنا في “القيادة الجماعية ” ببعضهم بعضا وبغيرهم كان مذهلا ومهولا ويتجاوز كل حدود المعقول “.

الكتابة عن كارثة يناير لها دافعان :ذاتي، أغفل المؤلف الحديث عنه، مكتفيا بإشارات وتلويحات مجملة، بقوله “إن المسألة شخصية جدا ”

هل اصطف الكاتب مع الطرف المنتصر بالقول أو بالصمت، أو بتبوء منصب مدير تحري صحيفة 14أكتوبر خلفا لأحد الضحايا الذي سحقتهم الكارثة بكلكلها ؟ففي غلاف الكتاب يبين الكاتب في سيرته أنه كان مديرا لتحرير 14 أكتوبر في الفترة 1986 – 1990م!

لهذا تصبح الكتابة تحررا وانعتاقا من زنزانة الإثم ؟ويكتفي الكاتب بالحديث عن البعد الموضوعي للكتابة “ثم إني أريد أن أتحرر من مجزرة “يناير” وأثقالها، بمعرفة بواعثها وأسبابها، وعبر استكشاف واستنطاق الدهاليز الغائرة في النفس البشرية وشركاء الإخفاق، والنأي بالنفس عن مسايرة قطعان الكراهية ومن يرفعون راية “التسامح والتصالح” من باب “التكتيك/ الكمين” و”بالانطلاق من منطق ثأري” “عبر تعريف الذات بكراهية الجار في القرية المتاخمة”.

ما الرابط بين اعتقال وإخفاء أحمد سالم الحنكي مدير دار الهمداني ورغبة الكاتب في التحرر والانعتاق الشخصي من جريمة يناير؟

في (أطياف عدن…)كشهادة سياسية ببعديها الذاتي والموضوعي يظل مشهد المثقف والمدينة جوهريا في هذه السردية التي ترقى لأن تكون عملا روائيا مميزا.فكارثة 13يناير لم تجرف المدينة عدن فحسب، وألقت بها إلى البداوة والذهنية البدوية، وإنما “لحست” المثقف بإعدامات جماعية، ومحاكمات صورية كانت نتيجتها إعدام العقل والمدينة في آن.

هناك صوت ظل يتردد حافرا بمزمله في جرح الكاتب، إنه صوت (فاروق علي أحمد) المثقف، رديف المدينة وضميرها وأفقها.حين اعتقل بتهمة أنه هو الذي كتب خطة يناير وورقة العمل، سأله القاضي، هل كتبت الخطة ؟لماذا كتبت ؟فكانت إجابة المثقف والمفكر الساخر من المشهد الدموي الذي لا يحتاج إلى حيثيات لينطق بحكم إعدام المثقف، كانت إجابته الساخرة :لأن خطي مليح.بحسب كتاب (منصور هايل) ففاروق تنويري قل أن تجود به المدينة، فلقد نشأ مع توهج المدينة عدن، وتم إعدامه والمدينة في آن، في تعرية للصراع الذي تفجر لأسباب قبلية ومناطقية ورغبات شخصية في التسلط، إلى جانب دور قام به الشيوعيون العرب من مصر ولبنان والعراق ومن تمركسوا من قيادات حركة القوميين العرب من الفلسطينيين، وكانت “الطغمة “و”الزمرة ” جاهزة للاستماع إلى ما يعزز من شهوة الحكم لديها.

الصوت الذي ظل يتردد في أعماق (هايل منصور)مشكلا جرحا غائرا لا ولم يتشاف، هو صوت فاروق علي أحمد، حين زاره منصور هايل بصحبة وفد من الشيوعيين المصريين وعلى رأسهم رئيس تحرير صحيفة الأهالي حسين عبد الرازق وزوجته فريدة النقاش. سأل فاروق :كيف حالك أخي منصور ؟بعتاب وحنو، ومنصور وقتها أصبح مديرا لتحرير صحيفة أكتوبر خلفا للمدير السابق (فاروق رفعت)الذي تم اعتقاله وتصفيته في براري شُرَّاب الدم.

والصورة الملازمة للصوت والموسعة للجرح كانت صورة (أحمد سالم الحنكي)حين تم اعتقاله بعد اسبوع من انفجار الكارثة، شاهده من فتحتة ضيقة للطربال، وهو في سيارة الاعتقال، أخذوه من جمارك المعلا إلى لحج، إلى براري القتل الجماعي! أحمد سالم الحنكي الذي وقف إلى جوار منصور داعما له في عمله، بل وفي توظيفه بمنصب قيادي بصحيفة 14أكتوبر، وإعفائه من الخدمة العسكرية الإجبارية، وفي ثالث يوم من كارثة يناير كاد الموت أن (يلحس)(منصور هايل)لولا إنقاذ (أحمد سالم الحنكي)له، وقيامه بأخذه إلى مكان آمن.يشاهده منصور بعد أسبوع من الكارثة وقد وشى به واحد من الذين أغدق عليهم الحنكي بمواقفه ورعايته، من هو هذا الشخص الواشي ؟الكاتب لا يخبرنا، وكأن العدالة لا تتحقق والتصالح لا يتم والتسامح لا يكون إلاَّ بمحو أي إدانه ولو كانت معنوية بالقتلة، الذين وشوا والذين نفذوا جرائم “اللحس الجماعي” هنا يستمر التواطؤ، يستمر القتل من خلال المحو والنسيان.

على عكس نصيحة رفاقه بأن “الوقت مش مناسب للكتابة” فالكتابة فتنة، يندفع منصور للكتابة، لكنه لا يبوح بشيء، سوى “البكاء على مدينة تلاشت ومثقف تم “لحسه” لا تدين الكتابة هنا القتلة بأسمائهم، وإنما تحيل إلى عموميات هي في ذاتها إرجاء وطمر بزهايمر إرادوي.الكتابة هنا ليست بغرض الإنصاف بتعرية القتلة والمطالبة بالعدالة منهم، مخاتلة للعواطف، وتخدير بالكلام الذي هو أقرب إلى الصمت أو الثغثغة، ورجع أحزان الإبل، حيلة بدوية لطالما كان البدوي يقتل ثم ينوح على الضحية !

عدن تلاشت كحاضرة تمتص القروي والبدوي والغريب شرط أن يتماهى الجميع مع روحها المدينية، والكاتب لا يرى حضورا لعدن في سياق دولة “الوحدة اليمنية “بل يرى أن ذلك مماثل لدولة الخلافة الاشتراكية ودولة الخلافة الإسلامية واتحاد إمارات الجنوب العربي ! هنا نسأل الكاتب أي حضور عدمي للمدينة إن لم تكن الوحدة اليمنية بركيزتيها الحرية والعدالة هي الضامن لمدينية ومدنية اليمن ؟ السقوط في العدمية انتصار للبدائية، وديمومة للتوحش الذي نئن منه !

لم تبق كارثة يناير لمنصور رأسا، وما يزعمه في الكتاب من أنه كتب شهادته السياسية في هذا الكتاب لأن “رأسه رئيسه” يدحض بصمت الكتاب عن قول شيء غير مرمي في الطرقات يعرفه العابرون والمارة !

لن تستعاد “عدن المستحيلة” بحسب الكاتب إلاَّ من خلال جيل “انتظار الجيل المستحيل “أي من خلال المهدي المنتظر بسماته الجماعية كجيل خارق ينتمي إلى الغيب !”لن تستعاد عدن المستحيلة، المتخيلة، بأية حذافير سابقة، وهي ليست في انتظار أصحاب السوابق، الأرجح أن عدن في انتظار تخليق الجيل المستحيل من أحشائها، لإنجاز مهمة إعادة اكتشافها واختراعها، وذلك ليس بغريب عليها “وهكذا نرتمي في التمنيات المخدرة والمطمئنة، في رشوة للضمير المستكين، فهناك جيل متخيل كما أن هناك مدينة متخيلة، في يوتيوبيا تنتمي نسقا ولغة لعالم الوحي والزعامة التي نفى الكاتب اتسامه بصفاتهما.

ينتقد الكاتب ما وصفه بـ “التبييض السياسي” للوجوه الكالحة، الذي “جعل من الصعب الحديث عن طيّ صفحة الماضي، أو استعادة ثقة المواطنين بالقانون والمؤسسات، التي تعتبر أساس الانتقال إلى دولة القانون، بل وأساس أي انتقال ديمقراطي، وفي ظل التبييض تغدو لقاءات المصالحات شبيهة بحفلات الزار، ولا تزيد عن كونها لقاءات كاذبة بلا حدود”

على المستوى الموضوعي في تحليل كارثة يناير فما يحدث هو “تبييض” للقتلة يعمل على استدامة وتناسل الكارثة، لكن على المستوى الشخصي فإن الكتاب هو أيضا “تبييض للذات” كي تستمر من موقعها النبوي دون اقتصاص من صمتها أو تواطئها، ألم ينعقد مؤتمر منظمة الصحفيين بعد شهر من الكارثة ليدين زملائهم الذين “استشهدوا” قتلا، هل يكفي حديث الكاتب العابر عن إدانة مؤتمر منظمة الصحفيين لمن قتلوا من زملائهم ووصفهم بالمتآمرين وغيرها من الصفات، هل يكفي المرور العابر على الدور الشخصي في سياقه العام لكي يتطهر الكاتب، وهو الذي استمر منذ الكارثة الينايرية وحتى عام 1993م ضمن استحقاقات “الطغمة “كمدير لتحرير صحيفة 14أكتوبر الرسمية في عدن، ورئيس لتحرير مجلة الوطن 1993-1990م في دولة الوحدة ؟

ولأن “الوضع الرجراج والمائع يشجع معظم المنحدرين من سلالة القتلة وأنجالهم على أن يكونوا من العناوين الصارخة للمشهد الدموي الراهن كـ “ورثة رسالة ” أو كمن يتكئ بافتخار على بطولات وأمجاد سابقة “على تعبير الكاتب، فإن الكتاب والكاتب لم يفكك هذا الوضع الرجراج بالمكاشفة ولو بحدها الأدنى، فنصيحة رفاقه وزملائه من أن الكلام في هذا الوقت فتنة، قد جعل الكتاب والكاتب أقرب إلى الصمت المباح منه إلى البوح الذي تتخلق الفتنة منه، أي افتتان القتلة، وسحب بساط التبييض من تحت أقدامهم، وجعلهم في العراء دون أقنعة “رسالية”.

ما هو عام في التحليل تميز به هذا الكتاب، فـ13يناير هي نتيجة لمسار من “موروث الانقسام المديد بين الأقوام والجماعات المحلية، القبائل والعشائر، الإمارات والسلطنات والمشيخات الكبيرة والمايكروسكوبية، وقد عمل المستعمر البريطاني على تغذية ذلك الموروث وتمويله وتفعيله انطلاقا من اقتناعه واعتقاده بأن دعم القبائل في تقاتلها البيني على الموارد والنفوذ يصب في خدمة استدامة اتحلاله بأقل كلفة وبأكثر واقعية ونجاعة “بعد ذلك كان الانصار لفوهة البندقية وإزاحة العقل من ممهدات كارثة يناير، لهذا كان الأكثر قوة وبداوة هو المعبر عن المرحلة “في هذا المنعرج انطوى المعنى على تظهير عضلات الأكثر قوة وشراسة و”بداوة “وكانت المناطق الأكثر فقرا هي “البؤرة الثورية “الطليعية لحساب انحسار قوة العقل وانكماشه وكسوفه” من صرخة “الجبهة القومية” “كل الشعب جبهة قومية كان الانتقال من استعمار الأرض بريطانيا إلى استعمار الشعب جبهويا! وتحول القتل إلى عقيدة أيديولوجية على حد تعبير الكاتب “وتدمير وإبادة كل آخر، وإقصاء واغتيال كل مناسبة للحياة في خضم الصراع الضاري والعاري من أجل السلطة بما هي جيب يكتنز المغانم ومعطى نهائي للامتيازات والمصالح، وكانت القبائل المقاتلة هي الأسرع في الاستحواذ عليه من أوسع الأبواب وأشدها فتكا: القتل”.

لقد ساهم الاستعمار البريطاني من خلال مندوبه السامي (همفري تريفليان)وقائد الجيش النظامي (داي) في أن تكون كل السلطة بيد(الجبهة القومية) فبحسب شهادة الأستاذ علي السلامي، التي أوردها في ورقته المقدمة إلى (الندوة الوطنية التوثيقية للثورة اليمنية –التي عقدت عام 1991م وطبعت في كتاب صادر عن مركز الدراسات والبحوث اليمني-صنعاء عام 1993م –إذ يؤكد في ورقته على أن المندوب السامي وقائد الجيش البريطاني سابق الذكر اجتمع بكبار الضباط في الجيش الاتحادي بتاريخ 7-11-1967م أي قبل موعد الجلاء بأسابيع- وأبلغهم أن حكومة صاحبة الجلالة قررت أن تسلمكم الاستقلال فاعترض الأخ سالم أحمد العتيقي، وقال الثوار (أيش مصيرهم) وتكلم قائد الجيش الاتحادي محمد أحمد موقع، وقال يا صاحبي هذه مفاجأة، وانقسم الضباط.فتم اجتماع آخر استثني منه سالم احمد عتيقي واستبدل عبد الله احمد عتيقي (من أعضاء جبهة التحرير) وفي هذا الاجتماع طلب أبلغ قائد جيش الاتحاد النظامي البريطاني أن على الجيش الاتحادي أن يساند الجبهة القومية، وأن يعمل على إخراج (جبهة التحرير) من المنصورة والشيخ عثمان، بعد أن كانت قد سيطرت على المنطقة من لحج إلى المنصورة.وتم إقالة الضباط الذين اعترضوا على ذلك وكان رأيهم أن الاستقلال ينبغي أن يسلم لجبهة التحرير والجبهة القومية معاً. ص201-202-علي السلامي –الندوة الوطنية التوثيقية للثورة اليمنية.

من حكومة الثورة كانت القصدية في اختيار أسماء للشوارع والمدارس والمعسكرات بأسماء إسلامية :معسكر طارق بن زياد وصلاح الدين وشارع ابو عبيدة بن الجراح، ومعسكر فتح ومنه جاءت تسمية “سجن الفتح” نسبة للمكان الذي بني فيه، وقد كان داخل المنطقة التي تسمى “فتح” والسجن بني في مكان لتجميع القمامة يسمى “الشولة” بحسب الكاتب.

لقد كان الكتاب كسردية تعبيرية عن حالة العدمية، المتلفعة بلغة النبوة والتيه في آن، فالكاتب بحسب تعبيره “مترحل في الفراغ” تتقاذفه البراري، والبرية تحضر في كتابه كرديف للبداوة، وشرُّاب الدم، لا تحتوية جهة ولا جبهة، ولا يقم على الأرض” مترحل شريد مطارد، نازح بلا موعد آخر، ومثخن بالحروب دون قسط من راحة أو حتى هدنة تكفي لكتابة مشروعي –شهادتي “نعم لا زالت الكتابة /الشهادة مؤجلة خوف فتنة الذات والجماعة، فالوقت لم يحن بعد” ويبدو أنه لا يزور هذه البلاد أبدا، وكذلك هو حال الوضع فهو لا يستقر ويبدو أنه لن يستقر في قادم الأيام والأعوام بإصرار من يستكثر عليّ الانتفاع بهدنة موجزة تكبح اندفاعي في هرولة الهرب الأبدي ” إنها الكتابة /الهروب، الرجراجة دون إبانة ! ومن هنا يسقط زعم الكاتب من أنه ينطلق في كتابته من أرضية “أنه لا رئيس عليه إلاَّ رأسه” فالأوصياء الخفيون كانوا من الكثرة حتى ألجموا كتابة الصارخة التي ينبغي أن تكون، لكن وإن تحولت إلى أنين فهو أنين سردي في ظني مهم، بل ومن علامات السرد اليمني عن الحرب، كتب بلغة مقتدر تحليلا وتخليقا، وسكوتا.

يعزز الكاتب في “أطيافه” و “شهادته” التي ترقى لأن تكون عملا روائيا مميزا –من تصوير ذاته الساردة على أنه يريد أن يتعافى من ما سميته سابقا (الصوت والصورة)فإثم مشاهداته لزملائه وهم يساقون إلى براري الإعدامات، ومقصلة محكمة “الطغمة” صورة الحنكي من فتحة ضيقة في طربال السيارة التي حملوه معتقلا عليها، وصوت (فاروق علي احمد)بحنوه وعتبه الموغل في الجرح، لهذا يستقصي الكاتب أعمالا أدبية ومقالات لمعتقلين كي يتحرر من هاوية وعقدة “الناجي الوحيد” فيكثف المعنى مستشهدا برواية الفرنسي (جان نويل بانكرازي) (الجبل)والتي تحكي ذكريات الحرب وجراحها في حرب التحرير بالجزائر، حينها كان طفلا ذهب أصدقاؤه، وصعدوا إلى خلفية الشاحنة، مستجيبين لعرض سائقها أن يصطحبهم إلى الجبل، ووحده (بانكرازي)تخلف عنهم، ليكون هو الناجي الوحيد، فقد عثروا على الأطفال الستة مقتولين.

ويعزز الكاتب دلالة الضحية من خلال الاستشهاد بكتابات (ياسين الحاج صالح)بمقاومة الاستسلام للإصابة ب “عقد الناجي” وأثرها في تعطيل الزمن وشروط الصراع وضرورة إصلاح الأدوات. لكن (منصور هايل) في سرديته الينايرية يسقط في التيه، والعدمية والخيال في أدواته وزمنه ورؤيته.

ربما كان الكاتب في استشهاده برواية (الحارس في حقل الشوفان) متمثلا “لنموذج المراهق المتمرد على مجتمعه، يزدري هذا المجتمع ويرى أفراده جميعا غارقون في نوع من الزيف والغباء “هناك علاقة في الموقف بين منصور وبطل رواية “الحارس في حقل الشوفان” من نزوع لتأثيم المجتمع، كحيلة للتحرر والتطهر من الإثم.

يخاطب الكاتب ذاته بلغة الوصايا، مبينا لها ما يجدر بها، قائلا بصوت التمني “يجدر بك ان تجتر خيباتك ومرارتك وخساراتك وحسراتك، ولاتتسرع في الهرولة إلى أصدقاء الحنين والكآبة واللاجدوى و”رفاق ” الأيام الخوالي وأحلام الخلاص والفاقة، كي تتمكن من “الكتابة بضوء القلب، وتقترح للمدينة سماء أخرى تتسع للحياة” وبما أن المدينة والمثقف مرتبطان عضويا فغن المثقف هو بأمس الحاجة إلى ضوء القلب، وإلى سماء بأفق جامع لا يضيق بوطنية يمنية جامعة، ولا يطمر الجرح الشخصي بالحديث عن ذاكرة جمعية هي حاصل جمع كل التفاصيل وضوحا وعتمة. وهنا يأتي تداعيات الكاتب مع نفسه، ومنها حديثه عن “الزهايمر” وعن “الوعي الشقي” فالشقاوة هنا تلطيف إن لم يكن مواراة لموقف إبان كارثة يناير وما بعدها. وإرجاء متعمد بذريعة النسيان اللاإرادي.

تختلط “الصور والعناوين والمواعيد “في ذهن الكاتب وذاكرته” بتطرف تجاوز كل الحدود المتعارف عليها للتشوش والارتباك، وتهاوت التخوم الفاصلة بين مواعيدي (التاريخية)ولم أعد أتذكر فيما إذا كنت دخلت الحزب قبل الحرب أم الحرب قبل الحزب، فيما ترجيحات الشواهد والإشارات تفيد أني دخلتها في موعد واحد، فهما واحد في هذه البلاد وليس ثمة ما يمنع حذف النقطة الرابضة على (الراء) وكافة النقاط الساهرة على حبس (العربية)وأنفاس العباد والبلاد”.

المدينة والبدونة :

تحضر المدينة في كتاب (أطياف عدن-هذيان الحطب)من خلال المعالم المعمارية في مساحة ضيقة أرادها الاستعمار البريطاني أن تكون بتعددها العرقي والديني مدينة في خدمة مصالحه، مع رغبة إرادوية في النيل من هويتها اليمنية، تارة بالتهنيد وأخرى بجعلها جنسية للمخلقة الأوربية المستوطنة، لكن ريف الحجرية والمحميات ظل يرفد هوية عدن بيمنيتها التي تتوجت بالاستقلال في الـ30من نوفمبر 1967م بعد سنوات من الكفاح المسلح، الذي تحملت ريادته المنظمة (الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني).

من خلال الكنيسة والمعبد والكنيس، والمعلا بمعماراتها ذات الثلاث الطوابق والسبع، والمصفاة، والبنوك والشركات.. إلخ تعددية تحيل إلى مدينة معادية للوطنية (كوزموبوليتية)، بما يعكس جوهر التسامح كبنية رئيسية تزهر منها المدينة في تصالحها وامتصاصها للآخر، شرط ألا يكون الآخر من المحميات أو من اليمن الشمالي !

المدينة هنا يراد لها قطيعة مع جغرافيتها وتاريخها اليمني، ووصلا بالاستيطان الذي أراده الاستعمار البريطاني لمسخ هوية يمنية واستبداله بهجين ولاؤه الوظيفي له !

المدينة هنا ضيقة، ميناء يطل على البحر، وتتسع أو تنكمش وفقا لأمزجة امبراطورية البحر. في القرن التاسع عشر والقرن العشرين كانت بريطانيا وشركاتها الاستعمارية (شركة الهند الشرقية)تبحث عن ميناء كمخزن للفحم، وبعد ذلك للجنود والنفط، المعزز لهيمنتها على المياه الدافئة في الخليج، كمصدر للطاقة، وممرات مائية لحركة التجارة والمواد الأولية من الغرب إلى الشرق.

ومن أجل بقائه في عدن كقاعدة لتمويل سفنها بالطاقة، وترانزيت للحركة شرقا وغربا فقد كان لزاما على الاستعمار إن يوجه بوصلة الفرقة والسداد بين اليمنيين بما يخدم بقاءه في مستعمراته في مصر والعراق وقبرص والهند وفلسطين الخ، لذلك كانت عدن تخوم بين البحر والبداوة.

أو بمعنى أصح جدار يحمي مصالح بريطانيا من الخطر الروسي والفرنسي في البحر، ومن هويتها اليمنية في البر.

لقد لعبت عدن كميناء طبيعي دورا رئيسيا في تجارة المنطقة، وعندما كان البحر الأحمر يزدهر كانت عدن تزدهر تبعا لذلك.فعندما فتحت قناة السويس استعاد عدن ازدهاره التاريخي.لكن هذا الازدهار في نظر الباحث هوليداي لم يؤد إلى تطور الأراضي الداخلية الواقعة خلف عدن (المحميات)ص173-ثورة الرابع عشر من أكتوبر في نظر الباحثين الغربيين –الأستاذ عبده علي عثمان-الندوة الوطنية التوثيقية للثورة اليمنية –مركز الدراسات والبحوث اليمني 1993م.

مع تباشير تحولات المدينة، وبدء مصفاة عدن عام 1952م “نشأ بسرعة كبيرة في عدن الصغرى (البريقة)وبحلول 1954كانت تصب النفط في البواخر، وفي الضفة الأخرى المقابلة (المعلا)شيدت مئات المساكن للعمال والموظفين.وفيما كان “الفاروق” يتهجى أولى الخطب كان وجه المدينة يتغير تماما، بل ووجه الحي الذي ولد فيه حيث تم ردم مساحة من البحر إلى حيث تقطن أسرته، وتم شق الشارع الأكبر والأطول في (المعلا-عدن McinRoad بطول 2كيلومتر، وبنيت على جانبه أكثر من “15” عمارات على الطراز الأوروبي مكونة من عدة أدوار “(لا تقل عن ثلاثة ولا تزيد عن سبعة أدوار) وقد أنجزت بشكل هندسي منتظم التراص وشبيه بأبنية العواصم والمدن الأوربية، واتسم تصميمها بدقة وتناسق خلابين…”ومع الخمسينيات كان العمل النقابي وتعدد الأحزاب والاتحادات، مع وجود نامي للأندية والجمعيات، والانتشار الواسع للتعليم، داخل ذلك الإطار العدني المحدود بالمعلا وكريتر والبريقة “وكما كان ميلاد السياسة في عدن بالمعنى الواسع والحداثي للكلمة في الخمسينيات فقد اكتنف هذا العقد ميلاد النقابات والأحزاب السياسية، والصحافة، الراديو، الاتصالات والأندية الأهلية والاجتماعية الخيرية والثقافية، الموسيقى، الأغنية والفن التشكيلي والمكتبات والمسرح والسينما…الخ” في هذا المسار الزمني كان ميلاد ونمو (فاروق علي أحمد) المثقف المنتج للمعرفة والمنفتح على البحر (فاروق علي أحمد) في ديسمبر من عام 1952م بمدينة المعلا. في توازي النمو المتسارع لـلمدينة الرصيف والمعمار الأوروبي.

ولأن عدن في تحولاتها المدينية نمت كاحتياج لمقتضيات الترانزيت الذي يحتاجه الاستعمار فإنها ظلت في حدود ضيقة جغرافيا كمحمية للبنوك والوكالات التجارية، ومصفاة للنفط، واحتكار للتعددية الحزبية والتعليم في أبناء عدن والأوربيين والهنود، وحرمان ما يأتي من المحميات وشمال اليمن من أن يكونوا جزء أصيلا من مدنية ومدينة عدن، تعليما واقتصادا وسياسة واستيطانا.

لم تكن المدينة محصنة بتوسيع النمط المديني على المحميات الغربية والشمال، إنما ظل هاجس أمنها أن لا تتسع تخومها المدينية إلى “الشيخ عثمان “وأن تظل محصورة بشكل رئيسي في كريتر والمعلا والبريقة.

كانت المدينة هشة، بسبب ارتباط مدينيتها بالخدمات ومصالح الاستعمار، لهذا ظلت هشاشتها مرتبطة بوظيفتها.فعند خروج الاستعمار، واستوطنت الجبهة القومية الحكم والمدينة، لتصبح المدينة كيانا وظيفيا في خدمة البدونة التي كانت الأيديولوجية بالنسبة لها ليست أكثر من قشرة حداثية تواري ذهنية بدوية شديدة البطش والجاهلية -بعد أن كانت تخدم امبراطورية البحر، وبين البحر والبادية تتجسد مأساة وأزمة المدينة.

ولأن المثقف والمدينة وجهان لحياة وحيوية واحدة فإن ما يصيب المدينة يصيب المثقف، والعكس صحيح، فحين تم تجريف المدينة تم (لحس)المثقف وإعدامه بتهمة التنظير والكتابة.

ولأن المدينة تتأسس بالكتابة فقد كان من مقتضيات تجريفها محاكمة المثقف بتهمة التخطيط المعرفي، الذي كان عنوانه (فاروق علي أحمد) و(سالم الحنكي) وكوكبة من التنويريين الذين رووا بمدادهم العقول كما روت دماؤهم شبق القتل، وأجسادهم تربة الأرض، لتنقله السيول من شواهق الجبال إلى منحدرات السيول.

هذا الترادف في الوعي والحضور المادي للمثقف والمدينة يجعل الكتابة عنهما ليس بالجغرافيا المكان والوعي فحسب، بل كما يرى عباس بيضون “إعادة تشكيل…عندما نكتب عن مدينة يتراءى لنا شكل للكتابة…لابد أنه يوازيها في اتساعها المكاني وتوزعها وتشعبها وتراكيبها وبنائها المتداخل…”ص66-الثمرة المحرمة –حاتم الصكر –شبكة أطياف –الرباط-المغرب-الطبعة الأولى2019م.

يصبح الترادف بين المثقف والمدينة امتزاجاً وتماهياً، بين مدينة تصبح في كتاب (أطياف عدن) نصا واعيا، ومثقف يستحيل إلى نص مكاني، ساحة لكلام المدينة إذا جاز توظيف وصف عباس بيضون لمدينة (صور)…

ولأن المثقف يعيش في منحدر الهوايات الضيقة فإننا بحاجة إلى أن نحدد من نكون وبماذا نؤمن، بدلا من الإيغال في تيه عبثي يهوِّم حول (شرعيات) مختلقة وضيقة، فالشرعية الحقيقية تتجاوز الحفاظ على الأوضاع القائمة، التي تمسخ حقائق التاريخ والجغرافيا –كما يقول محمد حسنين هيكل –ص189-الثورة اليمنية في إطار المتغيرات الدولية –يحيى علي الإرياني-الندوة الوطنية التوثيقية…-مرجع سابق. 

عن صحيفة الثورة



مقالات أخرى للكاتب

  • ذاكرة المرايا وغربة الذات 2-2
  • ذاكرة المرايا وغربة الذات 2-1
  • من سمات القيادة الحركية

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    33,681,885