العرب وأوروبا.. من الحوار إلى الشراكة
2019-03-03 | منذ 6 شهر
د. محمد السعيد ادريس
د. محمد السعيد ادريس

 

تضع القمة العربية - الأوروبية التي عقدت في منتجع شرم الشيخ المصري، قبل أيام، العالم العربي وجامعة الدول العربية أمام مسؤوليات تراجعت أولوياتها على مدى السنوات الأخيرة التي شهدت انفراطاً غير مسبوق في وحدة العالم العربي حول الأهداف والقضايا، وأولويات هذه الأهداف والقضايا، في ظل تداعي غير مسبوق أيضاً لجامعة الدول العربية كمنظمة إقليمية تمثل ما اعترف بأنه «نظام عربي»، سواء من منظور المكانة وبروز محاور عربية منافسة ودعوات لتأسيس تحالفات تتجاوز الإطار العربي وتمتد إلى الإطارين الإقليمي والدولي، أو من منظور الدور والكفاءة والاقتدار في القيام بالوظائف المنوطة بها، وفي مقدمتها الوظيفة الأمنية. هذه المسؤولية تتفاقم أيضاً مع تفجر الكثير من الأزمات والصراعات في الكثير من الدول العربية وتقاعس الجامعة عن القيام بالأدوار الكفيلة بمعالجتها، مقارنة بأدوار القوى الإقليمية المنافسة: إيران، و»إسرائيل»، وتركيا، والاختراق غير المسبوق للقوى الدولية في هذه الأزمات، التي أضحى بسببها الأمن القومي العربي مفهوماً هامشياً، أكده انصراف عربي عن أولوية القضية الفلسطينية كقضية مركزية مقارنة بقضايا أخرى نافستها على هذه المكانة، أبرزها تفشي الإرهاب، وتفجر الأزمات التي تهدد وحدة وأمن الكثير من الدول العربية.

في ظل هذا الواقع العربي المأزوم عقدت قمة شرم الشيخ العربية- الأوروبية الأولى على هذا المستوى في ظل تطورين آخرين لا يقلان أهمية؛ أولهما، الانسحاب الأمريكي من المنطقة لمصلحة التمركز في جنوب شرق آسيا وإفريقيا، وثانيهما، هزيمة تنظيم «داعش» الإرهابي وما تفرضه هذه الهزيمة من تداعيات تستلزم إجراءات عربية وأوروبية مشتركة لمواجهتها في ظل وجود قناعة لدى الطرفين، العربي والأوروبي، بارتباط الأمن في العالم العربي بالأمن في القارة الأوروبية.

الأجندة العربية كانت أكثر طموحاً، وإن لم تتجاوز الهدفين الأوروبيين المحوريين: الإرهاب والهجرة غير الشرعية اللذين يعطيان للأمن أولوية محورية يريدها الأوروبيون مقابل الاستثمار الذي في مقدورهم تقديمه. ففي مداخلته أمام القمة، وباعتباره رئيساً لها، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التطلع العربي إلى توظيف هذه القمة لبلورة رؤية استراتيجية مشتركة «تجاه القضايا المعروضة «، وهو ما اعتبره «أولوية قصوى» في ضوء تعاظم التحديات وتشابكها وفي ضوء المزايا والإمكانات والفرص المتاحة لتعزيز التعاون في مواجهة هذه التحديات بشكل جماعي.

البيان الختامي للقمة الذي حمل اسم «إعلان شرم الشيخ» أكد على تلك المعاني بالنص على أن «تعزيز التعاون الإقليمي يعد مفتاح التعاطي مع التحديات المشتركة التي تواجهها دول الاتحاد الأوروبي والدول العربية»، لكن ما يتأكد بعد، على الأقل من المنظور العربي، كيف سيتم تحقيق ذلك؟

السؤال مهم إذا تذكرنا أن هذه التجربة الوليدة للتعاون العربي- الأوروبي، ليست هي الأولى من نوعها بين الطرفين . ففي سبعينات القرن الماضي، وبالتحديد بعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 وما ترافق معها من قرارات نفطية عربية غير مسبوقة تضمنت حظر تصدير النفط للدول التي تدعم دولة الاحتلال «الإسرائيلي»، كما تضمنت رفعاً غير مسبوق لأسعار النفط، الأمر الذي حفز دول الاتحاد الأوروبي على التوجه نحو العالم العربي ممثلاً في جامعة الدول العربية لإجراء حوار مشترك حمل اسم «الحوار العربي- الأوروبي»، وكان الهدف واضحاً للجميع أوروبيين وعرباً: مقايضة النفط بالسياسة، أي بموقف أوروبي داعم للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وللسلام العادل في المنطقة، لكن سرعان ما تراجع هذا الحوار وتوقف، والآن مطلوب مراجعة لماذا فشل هذا الحوار كي يمكننا حماية ما نأمله من «شراكة» جديدة . مطلوب أيضاً أن نجتهد للإجابة عن السؤال المهم الآخر وهو: كيف يمكن حماية هذه الشراكة التي تتجاوز إطار الحوار المحدود السابق لتصبح شراكة حقيقية لها أبعادها الاقتصادية والاستراتيجية؟

أسئلة مهمة تحدث عن بعضها الشركاء الأوروبيون وفي مقدمتهم دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي الذي حدد ضمانتين مهمتين لاستمرار ونجاح التجربة، أولاهما وجود إرادة سياسية قوية عند الطرفين لمواصلة المسيرة بقوله إن «هناك تصميماً من جانب القادة العرب والأوروبيين على مواجهة التحديات الدولية سوياً من أجل مستقبل أفضل». وثانيتهما الشفافية والصراحة في التعاطي مع كل القضايا. ليس شرطاً أن تتطابق المواقف مئة في المئة، لكن من الضروري أن يكون التعاطي معها صادقاً وشفافاً. وتحدث عنها باستفاضة قادة عرب شاركوا في القمة تتعلق بالمسؤوليات العربية لإنجاح هذه الشراكة، وفي مقدمتها أن يعود العرب للتعامل معاً باعتبارهم «كتلة»، أو «نظاماً إقليمياً»، والإسراع في حل الصراعات والأزمات الداخلية العربية، واستعادة مكانة جامعة الدول العربية مجدداً كي تستطيع أن تكون ندية في حواراتها مع الاتحاد الأوروبي، باعتبار أن هذا كله أولويات ضرورية لتجاوز الحوار مع الأوروبيين إلى الشركة المأمولة. فمن دون أن يتوحد العرب حول الأهداف والمواقف، ومن دون أن يصبح العرب كياناً له هويته وله مؤسساته وله أهدافه، وليس مجرد «منطقة»، كما يردد الكثيرون الآن تحت اسم «المنطقة العربية»، متجاهلين أننا وطن عربي، أو على الأقل عالم عربي، لن يكون بمقدورنا أن نصل مع الأوروبيين إلى مستوى الشراكة التي نأملها نحن، ويريدونها هم.

د. محمد السعيد ادريس

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي

عن موقع التجديد العربي



مقالات أخرى للكاتب

  • فرض «صفقة القرن» بالأمر الواقع
  • مئوية قائد
  • تحديات تواجه المصالحة الفلسطينية

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    32,074,527